محمد بن جرير الطبري
523
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والثاني أن يكون " فتكونا من الظالمين " ، بمعنى جواب النهي . فيكون تأويله حينئذ : لا تقربا هذه الشجرة ، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين . كما تقول : لا تَشتمْ عمرًا فيشتُمك ، مجازاةً . فيكون " فتكونا " حينئذ في موضع نَصب ، إذْ كان حرفًا عطف على غير شكله ، لمّا كان في " ولا تقربا " حرف عامل فيه ، ولا يصلح إعادته في " فتكونا " ، فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة . وأما تأويل قوله : " فتكونا من الظالمين " ، فإنه يعني به فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِن لهم وأبيح لهم فيه ، وإنما عَنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة ، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي ، وَعصى أمري ، واستحلَّ محارمي ، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض ، والله وليّ المتقين . وأصل " الظلم " في كلام العرب ، وضعُ الشيء في غير موضعه ، ومنه قول نابغة بني ذبيان : إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا . . . وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ ( 1 ) فجعل الأرض مظلومة ، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر ، فجعلها مظلومة ، لموضع الحفرة منها في غير موضعها . ( 2 ) ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث :
--> ( 1 ) سلف تخريجه وشرحه في هذا الجزء : 183 . ( 2 ) في المطبوعة : " لوضع الحفرة منها في غير موضعها " ، وفي المخطوطة أيضًا : " لموضع الحفر فيها في غير موضعها " .